"فاروق القاسم: من اليأس إلى القمة في صناعة النفط النرويجي | مخيال (الجزء الثاني)"
فاروق القاسم وبداية صناعة النفط في النرويج وبناء نموذج لإدارة الثروة
كيف بدأ فاروق القاسم رحلته مع النفط النرويجي وغيّر نظرة الدولة إلى ثرواتها؟
في الجزء الثاني من لقاء فاروق القاسم في برنامج «مخيال»، نواصل التعرف إلى واحدة من أكثر التجارب تأثيرًا في تاريخ صناعة النفط الحديثة، وهي تجربة النرويج في الانتقال من دولة لم تكن تمتلك صناعة نفطية حقيقية إلى دولة أصبحت موارد النفط والغاز جزءًا أساسيًا من اقتصادها ونموذجها التنموي.
يستعرض فاروق القاسم، الجيولوجي العراقي النرويجي الذي ارتبط اسمه بتأسيس الإدارة الحديثة لقطاع النفط في النرويج، السنوات الأولى لوصوله إلى البلاد والظروف التي أحاطت ببداية رحلته المهنية. وقد وصل القاسم إلى النرويج عام 1968، في وقت كانت فيه عمليات التنقيب في بحر الشمال لا تزال في مراحلها الأولى، ولم تكن البلاد تعرف بعد الحجم الحقيقي للموارد التي يمكن أن توجد تحت مياهها.
وتشير الحكومة النرويجية إلى أن القاسم، المولود في البصرة والمتخصص في جيولوجيا النفط، أصبح واحدًا من الأشخاص الذين لعبوا دورًا مهمًا في الدفع نحو إدارة الثروة النفطية بطريقة تضمن استفادة المجتمع النرويجي بأكمله من العائدات، بدلًا من ترك الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية للشركات العاملة في القطاع.
وكانت البداية مليئة بعدم اليقين. فقد بدأت أول عمليات التنقيب الفعلية في الجرف القاري النرويجي خلال الستينيات، وكان أول بئر استكشافي حُفر في عام 1966 جافًا. وحتى بعد العثور على اكتشاف نفطي في حقل بالدر عام 1967، لم يكن الاكتشاف في ذلك الوقت قابلًا للتطوير اقتصاديًا، ما جعل مستقبل النفط النرويجي غير محسوم.
في هذا السياق جاء القاسم بخبرة سابقة في صناعة النفط، وبدأ العمل داخل وزارة الصناعة النرويجية. وتذكر الموسوعة النرويجية الكبرى أنه كان من أوائل الموظفين المتخصصين في قسم النفط، وأنه ساهم في ترسيخ فكرة أن على النرويج أن تمتلك المعرفة والخبرة والقدرة التنظيمية اللازمة لإدارة مواردها بنفسها.
ومن أهم الأفكار التي دافع عنها ضرورة ألا تعتمد الدولة بشكل كامل على الشركات الأجنبية، بل يجب أن تحتفظ برقابة وطنية قوية على عمليات التنقيب والإنتاج، وأن تُستخدم العائدات في تحقيق فوائد طويلة الأجل للمجتمع.
وتحول هذا التفكير تدريجيًا إلى سياسة مؤسسية. ففي عام 1971 وافق البرلمان النرويجي على مجموعة من المبادئ التي أصبحت تعرف لاحقًا باسم الوصايا النفطية العشر. وشملت هذه المبادئ ضمان الرقابة الوطنية على أنشطة الجرف القاري، وإنشاء صناعة نرويجية مرتبطة بالنفط، ومشاركة الدولة في القطاع، وتأسيس شركة وطنية لحماية المصالح التجارية للدولة.
ولعب فاروق القاسم دورًا محوريًا في إعداد الورقة الحكومية التي مهدت لهذه السياسة. وتؤكد الحكومة النرويجية أنه كان أحد أبرز المسؤولين والخبراء الذين شاركوا في صياغة أول إطار شامل لإدارة موارد النفط عام 1971.
هذه المرحلة لم تكن مجرد اكتشاف مورد طبيعي جديد، بل كانت بداية بناء منظومة كاملة تشمل التشريع والرقابة والخبرة الفنية والشركات الوطنية، وهي العناصر التي أصبحت لاحقًا من أهم ركائز النموذج النفطي النرويجي.
إيكوفسك والصراع من أجل رفع احتياطيات النفط والاستفادة من كل برميل ممكن
جاء التحول الأكبر في تاريخ النفط النرويجي عندما أعلنت شركة فيليبس قبيل نهاية عام 1969 اكتشاف حقل إيكوفسك في بحر الشمال. وتصف المصادر النرويجية الرسمية هذا الاكتشاف بأنه البداية الحقيقية لقصة النجاح النفطية للنرويج.
كان إيكوفسك أحد أكبر الاكتشافات البحرية في تلك المرحلة، وبدأ الإنتاج التجريبي منه في يونيو 1971، ثم توسعت عمليات الإنتاج بعد ذلك.
لكن العثور على النفط لم يكن نهاية التحدي، بل بداية تحدٍ جديد: كمية النفط التي يمكن استخراجها فعليًا من الحقل.
كان التقدير الأولي يشير إلى إمكانية استخراج نسبة محدودة فقط من النفط الموجود في مكامن إيكوفسك. ووفق الموسوعة النرويجية الكبرى، كانت بعض التقديرات المبكرة تشير إلى إمكانية استخراج نحو 17% فقط، لكن القاسم أصبح من أبرز المدافعين عن استخدام التكنولوجيا لرفع نسبة الاستخراج.
ومن أهم التقنيات التي استخدمت لاحقًا حقن المياه داخل الخزان النفطي للمساعدة في الحفاظ على الضغط ودفع المزيد من النفط نحو الآبار المنتجة.
ويشير متحف النفط النرويجي في توثيقه لتاريخ إيكوفسك إلى أن التقديرات الأولى كانت تتوقع استخراج نحو 16 إلى 18% من النفط، بينما ساعد استخدام حقن المياه وتطوير التقنيات على رفع نسبة الاستخراج إلى نحو 45–50%، وهو ما أدى إلى زيادة كبيرة في القيمة الاقتصادية للحقل.
ويستعيد فاروق القاسم في «مخيال» تلك المرحلة باعتبارها واحدة من أبرز تجاربه المهنية، خاصة مع وجود خلافات بين الجهات الحكومية وبعض الشركات حول حجم الاحتياطيات وإمكانية رفع معدلات الإنتاج.
وتكشف هذه التجربة عن أحد أهم مبادئ الإدارة النفطية النرويجية: الهدف ليس إنتاج أكبر كمية من النفط في أقصر وقت، وإنما تحقيق أعلى قيمة ممكنة من المورد على المدى الطويل.
ومن هنا أصبحت إدارة الموارد علمًا قائمًا على البيانات والتكنولوجيا والرقابة المستمرة، بدل أن تقتصر العلاقة بين الدولة والشركات على تحصيل الضرائب أو منح تراخيص الحفر.
وتولى فاروق القاسم منصب مدير الموارد في مديرية النفط النرويجية من عام 1972 إلى عام 1990، وكان من أهم مسؤولياته العمل على تحسين معدلات استخراج النفط من الحقول وزيادة الاستفادة من الاحتياطيات الموجودة.
النموذج النفطي النرويجي وتأثير الثروة البترولية على الاقتصاد
كيف حافظت النرويج على السيطرة الوطنية على النفط وتجنبت الاعتماد الكامل على الشركات الأجنبية؟
من أهم أسباب نجاح التجربة النفطية النرويجية الفصل الواضح بين دور الحكومة ودور الشركات التجارية.
فالدولة وضعت القواعد والقوانين والضرائب وأشرفت على إدارة الموارد، بينما تولت الشركات عمليات الاستكشاف والإنتاج والتطوير. وتوضح منصة Norwegian Petroleum الحكومية أن النظام التنظيمي صُمم لتحقيق توازن بين مصالح الشركات ومصلحة المجتمع، بحيث تكون المشاريع المربحة للشركات مفيدة أيضًا للاقتصاد الوطني.
وفي عام 1972 تأسست شركة النفط الحكومية Statoil، المعروفة حاليًا باسم Equinor، كما تأسست مديرية النفط النرويجية. وكان الهدف من هذا البناء المؤسسي تطوير الخبرة الوطنية ومنع اعتماد البلاد الدائم على الشركات الأجنبية التي كانت تهيمن على المراحل الأولى من عمليات التنقيب في بحر الشمال.
وساعد وجود منافسة بين الشركات الأجنبية والوطنية، إلى جانب الرقابة الحكومية، على تطوير صناعة متكاملة حول النفط شملت شركات الهندسة والسفن والخدمات البحرية والأبحاث والتكنولوجيا.
كما حرصت السياسة النرويجية منذ البداية على أن تستفيد الدولة بصورة كبيرة من القيمة الاقتصادية الناتجة عن الموارد. ويطبق قطاع النفط والغاز اليوم نظامًا ضريبيًا خاصًا يرفع معدل الضرائب الإجمالي على الشركات النفطية إلى 78% مع الحفاظ على آليات تسمح باستمرار الاستثمار في المشروعات الاقتصادية المجدية.
وتعد هذه الفلسفة امتدادًا للفكرة التي دافع عنها فاروق القاسم وغيره من المسؤولين في المرحلة الأولى: الموارد الطبيعية ملك للمجتمع، ولذلك يجب أن يعود جزء كبير من قيمتها إلى المجتمع نفسه.
وهنا تختلف التجربة النرويجية عن نماذج اعتمدت بصورة أكبر على تصدير النفط الخام دون تطوير مؤسسات قوية لإدارة العائدات أو بناء قطاعات صناعية وخدمية مرتبطة به.
ويتحدث القاسم كذلك عن تعامله مع شخصيات بارزة في عالم النفط، ومن بينها وزير النفط السعودي الأسبق أحمد زكي يماني. وتأتي هذه الذكريات ضمن شهادته الشخصية عن مرحلة كان النفط خلالها عنصرًا رئيسيًا في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية، خاصة خلال سبعينيات القرن الماضي.
ومع مرور الوقت أصبحت صناعة النفط والغاز واحدة من أهم القطاعات في الاقتصاد النرويجي، وأسهمت بصورة كبيرة في الصادرات والإيرادات الحكومية والاستثمار وتطوير دولة الرفاه. وتشير البيانات الرسمية النرويجية إلى أن النشاط البترولي لعب دورًا محوريًا في بناء الاقتصاد الحديث للبلاد منذ بدء الإنتاج في إيكوفسك عام 1971.
الداء الهولندي وصندوق النفط.. كيف حاولت النرويج حماية اقتصادها من ثروة النفط؟
امتلاك احتياطيات ضخمة من النفط قد يبدو دائمًا ميزة اقتصادية، لكنه يمكن أن يتحول أيضًا إلى تحدٍ إذا أصبحت الدولة شديدة الاعتماد على العائدات النفطية.
ومن أشهر المخاطر المرتبطة بالثروات الطبيعية ما يعرف باسم الداء الهولندي Dutch Disease، وهو مفهوم اقتصادي يشير إلى أن التدفقات الكبيرة من عائدات الموارد الطبيعية قد تؤدي إلى ارتفاع الإنفاق وقوة العملة وتراجع قدرة القطاعات الأخرى على المنافسة.
ويشرح البنك المركزي النرويجي أن الاستخدام السريع لعائدات النفط يمكن أن يؤدي إلى انتقال الموارد نحو القطاعات المحلية غير القابلة للتصدير، مع تراجع القدرة التنافسية للصناعات الأخرى، وهو أحد الأشكال التي يمكن أن يظهر بها الداء الهولندي.
ولهذا سعت النرويج تدريجيًا إلى فصل الإنفاق الحكومي عن التقلبات المباشرة في أسعار النفط.
وفي عام 1990 أنشأت الدولة الصندوق النفطي الذي أصبح لاحقًا صندوق التقاعد الحكومي العالمي، أحد أكبر صناديق الاستثمار السيادية في العالم. ولم تبدأ التحويلات الفعلية إليه إلا في عام 1996 بعد تحسن أوضاع المالية العامة.
ويتم استثمار الجزء الأكبر من أموال الصندوق خارج النرويج، ما يساعد على تقليل الضغوط التي يمكن أن تنتج عن ضخ جميع إيرادات النفط داخل الاقتصاد المحلي بصورة مباشرة.
ومنذ تطبيق القاعدة المالية في بداية الألفية الجديدة، تُحوّل إيرادات الدولة النفطية إلى الصندوق، بينما يُسمح للحكومة باستخدام جزء من عوائده في الموازنة وفق إطار مالي طويل الأجل بدل إنفاق أصل الإيرادات النفطية مباشرة.
وتوضح هذه السياسة الفرق بين مجرد امتلاك النفط وبين إدارة الثروة النفطية. فالتحدي الحقيقي ليس فقط اكتشاف الحقول أو زيادة الإنتاج، وإنما اتخاذ قرارات تحدد مقدار ما يُنفق اليوم ومقدار ما يُدخر للأجيال المقبلة.
ومن خلال تجربة فاروق القاسم تظهر أهمية بناء مؤسسات مستقلة وقوانين واضحة وخبرات وطنية قادرة على التعامل مع الشركات الكبرى من موقع المعرفة وليس من موقع الاعتماد الكامل عليها.
وقد انتقل القاسم بعد خروجه من مديرية النفط عام 1990 إلى العمل الاستشاري، كما استفادت جهات نرويجية من خبرته في تدريب وفود من دول منتجة للنفط جاءت لدراسة النموذج النرويجي. كما عمل مستشارًا لعدد من الدول الأخرى في مجال إدارة الموارد البترولية.
ولذلك ارتبط اسم فاروق القاسم وعراب النفط النرويجي بقصة تتجاوز اكتشاف النفط نفسه؛ فهي قصة بناء نظام يربط بين المعرفة الجيولوجية والرقابة الحكومية والتكنولوجيا والسياسة المالية طويلة الأجل.
ومن حقل إيكوفسك إلى مديرية النفط، ومن الوصايا النفطية العشر إلى التعامل مع مخاطر الداء الهولندي وإدارة عائدات النفط، تكشف التجربة النرويجية أن الثروة الطبيعية لا تضمن وحدها النجاح الاقتصادي، وإنما تحدد طريقة إدارتها ما إذا كانت ستصبح موردًا مؤقتًا أم أساسًا لتنمية تمتد عبر الأجيال.